النويري

103

نهاية الأرب في فنون الأدب

وينهى وقوع الكائنة التي عظم مصابها وأصاب عظيمها ، وآلم موجعها وأوجع أليمها ، وسقم بها من القلوب صحيحها ، وصحّ بها من الخطوب سقيمها . وأحالت الأفكار في ميدان الفكرة ، وأطلق من الألسن والأعين عنان العبرة والعبرة . وهى حلول النار بالخان ، الذي أنشأه الأمير مجد الدين مكرم بن الَّلمطى بظاهر مدينة قوص وهذا الخان المذكور ، قد كان محطا للرفيق ومجتمعا للسّفّار ، يأتون إليه من كل فجّ وطريق ، خصوصا الكارم « 1 » الإسكندرى - عوّضهم اللَّه أموالهم ، وبلَّغهم آمالهم - فلا ينزلون بغيره منزلا ، ولا يختارون سواه حصنا وموئلا . وإذا حل به أحدهم فكأنه ما فارق وطنه . يتخيّرون منازله وغرفه ، ويهرعون إليه كما يهرعون ليوم عرفة . فاتفق لقضاء اللَّه السابق وقدره اللاحق ، وإظهار ما كان من مغيّبه مستورا ، وتلاوتهم كان ذلك في الكتاب مسطورا - فاتفق يوم الاثنين السابع عشر من جمادى الآخرة ، أن خطبت على أعاليه ألسن النّيران ، واسودّ الفضاء المشرق لتتابع الدّخان . وعاين أهله الهلاك ، وجاءهم الموت من كل مكان . فلم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، وقد أحدقت بهم النار إحداق الأجفان بالأحداق واستدار عليهم اللهب استدارة الأطواق بالأعناق . وتلالهم لسان القدر : ما عندكم ينفد وما عند اللَّه باق .

--> « 1 » يقصد تجار الكارم من أهل الإسكندرية الذين كانوا ينزلون بقوص . وقد ذكر « القلقشندي » بين الوظائف الديوانية : وظيفة نظر البهار والكارمى . قال : وموضوعها التحدث على واصل التجار الكارمية من اليمن من أصناف اليهار وأنواع المتجر . وهى وظيفة جليلة . فهؤلاء كانوا هم التجار في التوابل والأفاوية والعنبر ، وما إلى ذلك . وكان لتجارتهم شأن كبير . وكانت هذه التجارة تصل من اليمن وعدن والهند . ( صبح الأعشى : - 4 - 32 )